• تاريخ ونشأة الدروز في سوريا

     

    الدروز في سوريا

    تاريخ ونشأة الدروز في سوريا


    يُعدّ الدروز من الطوائف الدينية والاجتماعية التي تركت بصمتها الواضحة في تاريخ سوريا وبلاد الشام عمومًا. وعلى الرغم من أنّ أعدادهم ليست كبيرة مقارنةً بغيرهم من الطوائف، إلا أنّ حضورهم السياسي والعسكري والثقافي كان بارزًا عبر القرون. لفهم نشأة الدروز في سوريا، لا بدّ من العودة إلى أصول الدعوة الدرزية في القرن الحادي عشر الميلادي، ثم تتبّع مسار هجرتهم واستقرارهم في جبل العرب ومناطق أخرى.


    نشأة الدعوة الدرزية


    تعود أصول الدروز إلى التيار الإسماعيلي الفاطمي في مصر خلال عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996 – 1021م). في تلك الفترة، ظهرت دعوة دينية جديدة قادها عدد من الدعاة أبرزهم حمزة بن علي بن أحمد الزوزني، وأنصار له مثل محمد بن إسماعيل الدرزي (الذي يُنسب إليه اسم الطائفة، رغم أن الدروز لا يحبّذون هذه التسمية).

    اعتمدت الدعوة الدرزية على مبادئ التوحيد، والتأويل الباطني للنصوص الدينية، وأُغلِقت كتبها المقدسة على جماعة محدودة من المريدين، ما جعلها جماعة دينية مغلقة لا تستقبل أفرادًا جددًا بعد إقفال باب الدعوة سنة 1043م.


    انتقال الدروز إلى بلاد الشام


    بعد التضييق عليهم في مصر، انتقل الدروز إلى بلاد الشام، حيث وجدوا ملاذًا في الجبال والقرى الوعرة التي وفرت لهم الحماية. استقرّت أعداد كبيرة منهم في جبل لبنان، ثم امتدت موجات الهجرة إلى جنوب سوريا، خاصة إلى منطقة جبل حوران (المعروف اليوم بجبل العرب أو جبل الدروز).

    اختيار الجبل لم يكن مصادفة؛ فطبيعته الصعبة ووعورة تضاريسه جعلته مكانًا مثاليًا للاحتماء من الصراعات السياسية والدينية التي كانت سائدة في المنطقة.


    الدروز في جبل العرب (السويداء)


    خلال العهد العثماني، تعزّز وجود الدروز في جبل حوران بشكل واضح، وبرزت عائلات قيادية تولت شؤون الطائفة، مثل آل الأطرش الذين قادوا لاحقًا أهم الثورات في تاريخ سوريا.

    وقد تحوّل الجبل إلى مركز أساسي للدروز في بلاد الشام، حيث بنوا قرى وبلدات ما زالت حتى اليوم تُعتبر القلب النابض لوجودهم في سوريا.


    الدور الوطني والسياسي


    كان للدروز في سوريا دور بارز في النضال ضد الاستعمار الفرنسي. فقد قاد الزعيم سلطان باشا الأطرش الثورة السورية الكبرى عام 1925، التي انطلقت من جبل العرب وامتدت إلى معظم الأراضي السورية. وقد مثّلت هذه الثورة رمزًا للوحدة الوطنية بين مختلف الطوائف السورية، ورسخت مكانة الدروز كطائفة وطنية شاركت في تحرير البلاد.

    بعد الاستقلال عام 1946، شارك أبناء الطائفة الدرزية في الحياة السياسية والعسكرية للدولة السورية، وشغل العديد منهم مناصب مهمة.


    الواقع المعاصر


    اليوم، يتمركز معظم الدروز في محافظة السويداء جنوب سوريا، إلى جانب وجود تجمعات أصغر في دمشق وريفها. حافظوا على خصوصيتهم الدينية والثقافية، وفي الوقت نفسه ظلوا جزءًا من النسيج الوطني السوري.

    خلال الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، حاول الدروز غالبًا التمسك بموقف الحياد، مع سعيهم لحماية مناطقهم من الصراعات المباشرة، مع بروز أصوات تطالب بحقوق اقتصادية واجتماعية أفضل لأبناء المحافظة.


    بعد سقوط نظام بشار الأسد، قامت الدولة السورية الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بالتواصل مع مختلف المكوّنات الموجودة في السويداء، وتمّ التوصل أكثر من مرة إلى اتفاق، حيث جرى تلبية جميع مطالب الدروز في منطقة السويداء.

    إلا أنّ الشيخ حكمت الحجري قام بالغدر بقوات الأمن السوري التي توجّهت إلى السويداء لفضّ النزاع الحاصل بين الميليشيات الدرزية هناك وعشائر البدو، وأدى ذلك إلى مقتل 16 عنصرًا من قوات الأمن.


    وعلى إثر ذلك، قامت وزارة الدفاع بإرسال قوات إضافية لحفظ الأمن والسلم، غير أنّ حكمت الحجري عمد إلى استدعاء إسرائيل للتدخل وحماية الدروز في السويداء. وقد قامت إسرائيل بالفعل بقصف مبنى قيادة الأركان في دمشق، ما أدى إلى تصاعد أعمال العنف بشكل كبير.


    هذا الموقف أثار موجة غضب عارمة لدى جميع مكوّنات الشعب السوري، إذ اعتبروا استدعاء إسرائيل خيانة عظمى للدولة السورية، وانقلابًا على كل ما عُرف سابقًا عن وطنية الدروز في السويداء.


    الخاتمة


    إنّ تاريخ الدروز في سوريا يعكس قصة طائفة استطاعت أن تحافظ على هويتها الدينية والاجتماعية رغم التحديات والصراعات. من بدايات الدعوة في مصر، مرورًا بهجرتهم إلى الجبال السورية، وصولًا إلى دورهم البطولي في الثورة السورية الكبرى ومشاركتهم في بناء الدولة، يشكّل الدروز جزءًا أساسيًا من لوحة التنوع السوري.

    قديماً كان الدروز جزءاً لا يتجزأ من سوريا الأم، وأحد أهم مكوناتها الاجتماعية والوطنية، كما شاركوا بفعالية في الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي.

    أما اليوم، فقد أصبحوا ـ في نظر جميع مكوّنات الشعب السوري ـ خونة، بعدما قاموا باستدعاء إسرائيل لقصف الوطن الأم سوريا، وأطلقوا دعوات للانفصال عنها.


    ويبقى السؤال مطروحاً: هل سينجحون في تحقيق ما أرادوا، أم أنّ الأحداث ستأخذ منحى آخر في الأيام القادمة؟

    تاريخ ونشأة الدروز في سوريا تاريخ ونشأة الدروز في سوريا بواسطة ربيع قدور في 12:06 ص تقييم: 5

    ليست هناك تعليقات:

    turning off fixed header

    How to activate this addition: - Click the box below the word visible to activate the checkmark, and by doing this you will have activated the feature How to turn off this feature: - Click on the box below the visible word to cancel the (√) sign, and by that you have turned off the feature
    يتم التشغيل بواسطة Blogger.